جان لوئيس بوركهارت
371
رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان
وفي الجبال الواقعة شرقي دراو بالصعيد ، وعلى ثلاث مراحل منها صوب البحر الأحمر ، سهل به آبار ماء عذب ، واسم السهل « الشيخ شادلى » نسبة إلى ضريح هذا الشيخ الذي مات هناك فيما يروون على الطريق الممتد من القصير إلى سواكن والذي تقع عليه الآبار . وللضريح منزلة كبيرة عند المصريين ، وقد بنى أحد بكوات المماليك فوقه قبة ، وكثيرا ما ينذر الناس زيارة الضريح وينحرون فيه شاة إكراما للشيخ . وتحفل الوديان المحيطة به بالشجر ، وإذا صدق الرواة فإن هناك خرائب مبان ، وكهوفا منقورة في الصخر . وقد اشتهر الجبل منذ القدم بالزمرد ، ويؤيد معظم جغرافيى العرب هذا الرأي في كتبهم ، ولما بلغت الرواية مسامع محمد على باشا أرسل إلى الشيخ شادلى عام 1812 نفرا من جنده يرافقهم جواهرى رومى من القاهرة زعم أنه خبير بالأحجار الكريمة ، وأخذت البعثة معها مئات من الفلاحين ، وبعد أن لبثوا أياما يحفرون الأرض الصخرية والسهل المجاور للضريح في مكان قيل إن أحد بكوات المماليك وجد فيه حجرا نفيسا لا يقدر بثمن ، أخرجوا بمحض الصدفة الغريبة قطعة من الزجاج المعتم الأخضر يبلغ حجمها ثماني بوصات مكعبة ، وعلى القطعة مسحة من لون الزمرد ، فأعلنوا على الفور أنهم وجدوا زمردة أصيلة ، ثم حملوها ظافرين إلى القاهرة . وكنت قد وصلت إسناتوا حين مر هذا الجوهري بها . فرأيت الكنز المزعوم في بيت الحاكم ، ولكني كرهت أن أطفىء فرحة رئيس البعثة بعد أن حسب نفسه في عداد الأثرياء . وسمعت بعد ذلك أن نبأ هذا الكشف السعيد قد حمل إلى القاهرة قبل وصول الكنز إليها ، وأن مكتشفيه قد حظوا بجائزة سنية من الباشا ، وأنه مضى زمن طويل قبل أن يجرؤ خبير من خبراء الجواهر على مصارحة الباشا بأن الزمردة المزعومة ليست سوى قطعة من الزجاج . وكانت البعثة قد وجدتها في طبقة سميكة من الجبس بين جدران قديمة ، ولست أشك في أن مصنع زجاج قديم كان يقوم على هذه البقعة يوما ما . والجبال المحيطة بهذا المكان كثيرة الشجر ، ويحرق العبابدة من سنطها قدرا كبيرا يصنعون منه الفحم البلدي ، ويحملونه إلى النيل فيشحنه التجار بالمراكب إلى القاهرة . وتكثر في هذه الجبال أعشاب الشيح والروثة ، ومنها يصنعون أفضل أنواع